محمد أبو زهرة

1267

زهرة التفاسير

تأكيدات ؛ أولها : « إن » وثانيها : أفعل التفضيل ، وثالثها : اللام في قوله تعالى : لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ . والذين اتبعوه موصول عام يشمل الذين اتبعوا هدايته في حياته ، وأجابوا دعوته ، ولم يخالفوه ، والذين اتبعوه من بعد وفاته ، وإنهم لكثيرون ، وكان يمكن أن يكون من هؤلاء اليهود والنصارى ، لو اتبعوا هداه فطلبوا الحق وأخلصوا للّه في طلبه ، وتجنبوا الشرك بكل ضروبه وبكل أشكاله ، وفي هذا توبيخ لهم على أنهم لم يتبعوه ، وادعوا الانتماء إليه . وقد ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالنص عليه بالذات على أنه أولى الناس بإبراهيم عليه السلام ، ولم يذكره في ضمن الذين اتبعوه ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم تلقى الهداية من السماء كما تلقاها إبراهيم ، ولأن محمدا صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين ، ولأنه آخر دعامة في بناء صرح الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض . وفي ذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم تمهيد لبيان أولوية الذين آمنوا به صلى اللّه عليه وسلم وبسيدنا إبراهيم من اليهود والنصارى ؛ لأنهم حنفاء طلبوا الحق وتحرّوه وآمنوا به واهتدوا ، وأخلصوا دينهم للّه تعالى ، وصار اللّه ورسوله أحب إليهم من أنفسهم . والذين آمنوا في الآية هم من آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لكل نبي ولاة من النبيين ، وإن وليي منهم أبى وخليل ربى إبراهيم » « 1 » . وولاية إبراهيم للنبي ومن اتبعهما بإحسان إلى يوم الدين أساسها الإخلاص للّه تعالى وتوحيده ، فهي من ولاية اللّه ؛ ولذا قال سبحانه : وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ أي أن اللّه سبحانه وتعالى جل جلاله ، وعظمت قدرته ، وتعالت حكمته ، وتسامت عظمته ، هو ولى المؤمنين وناصرهم ، وهم أهل محبته ورضوانه ؛ وذلك لأنهم لا يطلبون إلا رضاه ، ولا يبتغون إلا محبته ورضوانه ؛ فهم بإخلاصهم قد نالوا ولاء اللّه ومحبته ؛ واللّه سبحانه وتعالى لا يوالى إلا من يؤمن للحق ويذعن له ، ولا يطلب سواه .

--> ( 1 ) رواه أحمد : مسند المكثرين - مسند عبد الله بن مسعود ( 3609 ) ، والترمذي : تفسير القرآن - ومن سورة آل عمران ( 2921 ) .